أحمد مصطفى المراغي
124
تفسير المراغي
وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وحرمة القتل فلا عذر له ، إذ هو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير ، فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر اللّه وحكمه وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته ، ومن ثم يهن المسلمون ويضعفون ويكون بأسهم بينهم شديدا . وإنك لترى أنه ما انحلت الرابطة بين المسلمين وانفصمت عروة الوفاق بينهم إلا بعد أن أقدم بعضهم على سفك دماء بعض ورجحوا شهوة الغضب والانتقام على أمر اللّه تعالى ، ومن رجح شهوات نفسه الضارة على أمر اللّه وعلى مصلحة المؤمنين بغير شبهة فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة ، إذ هؤلاء قد تجرءوا على حدود دينه ولم يبق للشرع حرمة في قلوبهم . قال في الكشاف : هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد ، والإبراق والإرعاد ، أمر عظيم ، وخطب جليل ، ومن ثم روى عن ابن عباس أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة . . . والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث ( الأحاديث التي تقدم ذكرها ) وقول ابن عباس بمنع التوبة ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم منالهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة « أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ » اه . 2 ) يرى فريق آخر أن المراد بالخلود المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص القاطعة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ، وما في الآية إخبار من اللّه بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه ذلك كما جاء في قوله عزّ اسمه « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » فإنه لو كان المراد منها أنه سبحانه يجزى كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه « وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ » * ومن ثم روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعا أنه قال هو جزاؤه إن جازاه ، وبهذا قال جمع من العلماء وقالوا هو كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب ، وهو إن لم يجازه لم يكن كذابا ، وقد روى عن ابن عباس جواز المغفرة بلا توبة أيضا ، وقال في الآية هي جزاؤه ، فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له .